صديق الحسيني القنوجي البخاري

10

فتح البيان في مقاصد القرآن

والبطش ، وقيل : المراد بالأوتاد الجموع والجنود الكثيرة ، يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون سلطانه ، كما تقوى الأوتاد ما ضربت عليه فالكلام خارج مخرج الاستعارة على هذا قال ابن قتيبة ، العرب تقول : هم في عز أو في ملك ثابت الأوتاد ويريدون ملكا دائما شديدا ، وأصل هذا أن البيت من بيوت الشعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد ، وقيل : المراد بالأوتاد هنا البناء المحكم ، أي وفرعون ذو الأبنية المحكمة ، قال الضحاك : والبنيان يسمى أوتادا والأوتاد جمع وتد ، وفيه لغات أفصحها فتح الواو وكسر التاء ويقال : وتد بفتحهما . وود بإدغام التاء في الدال بوزن وج ، وودت وهي لغة أهل نجد قال الأصمعي : ويقال وتد واتد مثل شغل شاغل . وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي الغيضة ، وهي الأشجار الملتفة المجتمعة ، وقد تقدم تفسيرها في سورة الشعراء ومعنى : أُولئِكَ الْأَحْزابُ أنهم الموصوفون بالقوة والكثرة كقولهم فلان هو الرجل ، وقريش - وإن كانوا حزبا كما قال اللّه تعالى فيما تقدم : جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ ولكن هؤلاء الذين قصهم اللّه علينا من الأمم السالفة هم أكثر منهم عددا ، وأقوى أبدانا ، وأوسع أموالا وأعمارا . وقيل : إن المعنى أن مشركي قريش من أولئك الأحزاب ، وهم هم ، ومنهم وجد التكذيب ، وهذه الجملة مستأنفة أو خبر ، والمبتدأ قوله . وعاد كذا قال أبو البقاء وهو ضعيف ، بل الظاهر أن ( عاد ) وما بعده معطوفات على قوم نوح ، والأولى أن تكون هذه الجملة خبرا لمبتدأ محذوف أو بدلا من الأمم المذكورة . إِنْ كُلٌّ أي ما كل حزب من هذه الأحزاب إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ لأن تكذيب الحزب لرسوله المرسل إليه تكذيب لجميع الرسل لأن دعوتهم واحدة ، وهي التوحيد ، أو هو من مقابلة الجمع بالجمع ، والمراد تكذيب كل حزب لرسوله ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال ، أي ما كان أحد من الأحزاب في جميع أحواله إلا وقع منه تكذيب الرسل ، وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه ، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية ، أولا ، وبالاستثنائية ثانيا ، وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد ، أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العقاب وأبلغه ؛ ثم قال : فَحَقَّ عِقابِ أي فحق عليهم عقابي بتكذيبهم . ومعنى حق ثبت ووجب وإن تأخر فكأنه واقع بهم . وكل ما هو آت قريب . وقرىء عقاب بإثبات الياء وحذفها مطابقة لرؤوس الآي . وفي الآية زجر وتخويف للسامعين . وَما يَنْظُرُ أي ما ينتظر هؤُلاءِ أي كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي النفخة الكائنة عند قيام الساعة . وقيل : هي النفخة الثانية . وعلى الأول المراد من عاصر نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من الكفار . وعلى الثاني المراد كفار الأمم المذكورة أي ليس بينهم